محمد بن طلحة الشافعي

169

الدر المنتظم في السر الأعظم

المياه تقول كلّ نقطة : أنا أذهب إلى مستقرّي فاذهب أنت إلى مستقرّك ، وكذلك مهاب الريح أو ألطف من ذلك الأنفاس ، كلّ نفس يناديك تلويحا بل تصريحا : إنّي راحل فماذا تودّع فيّ ، وكذلك جميع الموجودات سوى اللّه تعالى ، لطيفها وكنفها علويها وسفليها ملكيها وملكوتيها ، وهذا السمع من بواطن الأسرار ، خصوصية إلهية ولطيفة إلهامية ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 1 » . لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي « 2 » . ولا تغفل عن النصيحة فإنّها سرّ النصيحة ، وهذا آخر الكلام عند الإمام ، ومن أنكر ذلك فليس من أهل الخطاب ، ويتوب اللّه على من تاب . واعلم أنّ كلّ شيء فيه روح هو سرّ صانه جوهرا كان أو عرضا ، فتارة يعرى وتارة يكسى ، يدور كالدولاب بدور الكرة ، إلى أن يشاء اللّه العليم الحكيم ، ولا تغفل عن القرآن التاسع ، ففيه يظهر الدور للناصع . الطرير يقرأ والغدير صحيفة * والريح تكتب والغمام ينقط « 3 » . قال بعض الحكماء : إذا أراد اللّه بامّة خيرا ، جعل الملك في علمائها ، والعلم في ملوكها . وكان بمدينة طليطلة « 4 » بيت مقفول ، وكلّما وليّ منهم ملك قفل عليه قفلا ، حتّى اجتمع عليهم رجلا ليس منهم ، فقصد فتح تلك الأقفال ليرى ما داخلها ، فمنعه أكابر الدولة وجهدوا به ، فأبى وفتحها ودخل البيت فوجد فيه صورة العرب على الخيل والجمال ، عليهم العمائم الحمر

--> ( 1 ) سورة فاطر : 22 . ( 2 ) نسب للشاعر كثير ، انظر : تاريخ الطبري : 5 / 78 ، معجم البلدان : 5 / 429 . ( 3 ) نسب لابن الساعاتي ، انظر : سير أعلام البنلاء : 21 / 472 ، معجم البلدان : 3 / 301 . ( 4 ) طليطلة : بضم الطاءين ، مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس .